حلو الفن – الشاعر إميل فهد .. حين تُصلّي القصيدةُ بنور الحسّ
حرّر القصيدة من رتابة التكرار وأعاد إليها جوهرها المصقول

القصيدة في شعر” إميل فهد” ليست مجرّد بناءٍ لغويٍّ مُتقن، بل كائنًا حيًّا، يتنفّس من رئة الروح، ويُبصر من حدقات التأمّل، ويهيم في فضاءاتٍ تتخطّى حدود الحرف إلى ما وراء المعنى.
ومنها، يقف الشاعر” إميل ” في مَعبد الشِّعر، حيث السكون مُفعمٌ بالدهشة، واللغةُ تتطهّر من ابتذالها، يكتب قصائده بنبضٍ يُحسّ ولا يُقال.
فهو الذي هام بالقصيدة، وحرّرها من رتابة التكرار والشكل الجامد، وأعاد إليها جوهرها المصقول، فأضحت معه انفعالًا نقيًّا، لا يُساوم على صدقها.
لم يكتب ” إميل ” القصيدة بقدر ما أنصت إليها، فكانت تأتيه كما تأتي الرؤيا، مُحمّلةً بإشاراتٍ من عالمٍ داخليٍّ لا يراه سواه، لكنه يُحسن ترجمته بلغةٍ تتقن الإيحاء بطراوة نادرة.
في شعره، تتصالح الفكرة مع الإحساس، فلا تطغى واحدةٌ على الأخرى، بل تتعانقان في توازنٍ دقيق، كأنّهما قطبان لجوهرٍ واحد. فالفكر عنده ليس تجريدًا باردًا، إنما حرارةٌ مُقنّعة، والعاطفة ليست اندفاعًا عابرًا، بل وعيٌ متجذّر في أعماق التجربة.
وقد منح” فهد ” القصيدة ألوانًا تُدرَك بالبصيرة، وألبسها شفافيةً تجعلها قريبةً من الروح. فقصيدته لا تُقال لتُسمع فقط إنما لتُستشعر كلوحةٍ تنبض بالحركة، حيث الصورة تبقى تجربةٌ حسّية وفكرية يرسمها بالكلمات كما يرسم الرسّام بالضوء.
وإذا كانت القصيدة عند غيره تُكتب، فهي عنده تُكتشف. كأنّه يُنقّب في طبقات اللغة ليُخرج منها ما تراكم فيها من كنوزٍ منسيّة، فيُعيد ترتيبها ضمن نسقٍ يُشبهه، ويُشبه تلك الرحلة الداخلية التي خاضها بين الثقافة والفلسفة والتجربة.
وهنا تتجلّى خصوصيّة أسلوبه، حيث ” السهل الممتنع ” فتغدو حالةٌ وجودية قوامها البساطة التي تُخفي وراءها تعقيدًا، والوضوح الذي يُبطن عمقًا، والعذوبةٌ التي تتكئ على وعيٍ عالٍ.
” إميل فهد ” شاعرٌ بنى رصيده من روحانيّةٍ صافية، ومن تأمّلٍ لا يهدأ، فصار شعره أشبه بمحرابٍ داخليّ، يدعو القارئ إلى الدخول فيه ليتطهّر من ضجيج العالم.
شاعرٌ جَبَل الشعر عنفوانًا فجعل من سبكه أثرًا مستحدثًا يترسّخ في النفس كصدى لا يزول.
إليه ألف تحيّة



