حلو الفن – جورج يرق روائيّ كتب عن الحرب .. ولم يحمل مسدسًا في حياته
صاحب فكرٍ حيّ، تضجّ أفكاره بعمقها، وتتمرّد على السكون، باحثةً دائمًا عن أفقٍ أبعد من المألوف.

الروائي جورج يرق عرفته صديقًا صادقًا محبًّا، جمعتني به لقاءاتٌ وجلسات، كنتُ فيها منصتًا إلى فيض أفكاره الأدبية، إذ كان يكتنز خلاصة الكتابة، فتنساب الحروف طوع أنامله، كأنّها خُلقت لتُطيع فكره الذي لا يعترف بحدود.
ليس من السهل أن يتقدّم كاتبٌ من تخوم الصحافة إلى فضاءات الرواية، حاملاً كلّ هذا الزخم من التجربة، وكلّ هذا الامتلاء من الرؤية، دون أن يتعثّر أو يتردّد. لكنّ جورج يرق لم يكن يومًا عابرًا في دروب الكلمة، بل كان من أولئك الذين يُراكمون المعنى، فجاء انتقاله من الصحافة إلى الرواية امتدادًا طبيعيًا لرحلةٍ لم تعرف الانقطاع.
هو صاحب فكرٍ حيّ، تضجّ أفكاره بعمقها، وتتمرّد على السكون، باحثةً دائمًا عن أفقٍ أبعد من المألوف.
مارس العمل الصحافي لعقود، فكان كاتبًا حرًّا في عددٍ من الصحف والمجلّات اللبنانية، قد صقلته المهنة، وهذّبت لغته، ودرّبته على التقاط التفاصيل التي تغيب عن العابرين.
وحين اتّجه إلى كتابة الرواية، لم يدخلها طارئًا، بل دخلها ممتلئًا بخبرة السنين. فجاءت روايته الأولى “ليل” (2013) إعلانًا هادئًا عن ولادة صوتٍ سرديّ يعرف كيف يُمسك بخيوط الحكاية.
ثم جاءت “حارس الموتى” لتؤكّد أنّ هذا الصوت لم يكن وليد المصادفات، بل نتاج رؤيةٍ متماسكة، وقد اختيرت الرواية ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام 2016، وترجمتها الجامعة الاميركية في القاهرة إلى اللغة الانكليزية.
وهاتان الروايتان عن حرب الخمسة عشر عاماً التي حملت أوصافاً عدة، وبطلاهما محاربان خاضا معارك، علماً بأن يرق لم يحمل مسدسًا في حياته. وكان ذلك كله شهادةٍ تُثبت أنّ يرق لا يكتب ليُقال إنّه كتب، بل ليترك أثرًا يُقرأ ويُناقش ويُحفر في الذاكرة.
وفي السياق نفسه، تأتي روايته “موت متواصل” التي هي سيرة عائلية بطلتها أخته المتوفاة بعد مكابدة مرض رافقها خمسين سنة، وروايته “صبّي القجّة” التي أدرجتها اثنتا وعشرون مدرسة في قائمة المطالعة، والتي نقلتها الى الفرنسية الكاتبة الطبيبة هيام كوزما، وصدرت مطلع العام الجاري.
هو الروائي الذي يعرف كيف يُعبّر، مأخوذاً بالفكرة إلى عوالم من الإبداع الصافي، حيث يتجلّى وضوح الرؤية، ويغدو النصّ مرآةً لوعيٍ يغوص في جوهر الأشياء.
هكذا عرفت جورج يرق.






