حلو الفن – ” الوحش “… حوار النفس على خشبة مونو

تقوم المسرحية على الحوار النفسي المكثّف أكثر من إعتمادها على الحدث الدرامي التقليدي. فالعمل، الذي أخرجه جاك مارون عن نص الكاتب المسرحي الأميركي جون باتريك شانلي، وترجمته أرزة خضر، يضع المُشاهد أمام مواجهة إنسانية مفتوحة بين شخصيتين تحملان إرثًا ثقيلًا من الإحباط والخيبات.
وقد نجح كلّ من كارول عبود و دوري السمراني في تقديم أداء تمثيلي يرتكز على الصدق التعبيري وضبط الانفعالات، فبدت الشخصيتان بعيدتين عن الأداء الاستعراضي، مع تركيز أكبر على التفاصيل الصغيرة في النبرة والحركة والصمت وردود الفعل. وهذا ما جعل النص أكثر واقعية وقرّب المُشاهد من الحالة النفسية التي يعيشها البطَلان.
ومن أبرز عناصر القوة في العمل قدرة المخرج جاك مارون على إدارة الإيقاع المسرحي المتقلّب بين لحظات التوتر والانفجار العاطفي من جهة، ولحظات التأمل والصمت من جهة أخرى، من دون الوقوع في الرتابة أو المبالغة. كما حافظ العرض على توازن واضح بين البعد النفسي للنص ومتعة المشاهدة المسرحية، ما أبقى التفاعل حاضرًا بين الخشبة والجمهور طوال مدة العرض.
أما على مستوى المضمون، فإن ” الوحش” لا يتعامل مع فكرة الحب بوصفها موضوعًا رومانسيًا تقليديًا، بل يقدّمها كحاجة إنسانية ملحّة وقدرة على إنقاذ الأفراد من عزلتهم وانكساراتهم.
ومن هنا تنبع قوة النص الذي يطرح أسئلة مرتبطة بالهوية والخوف والندم والرغبة في الحصول على فرصة ثانية للحياة.
وتأتي مسرحية “الوحش” لتُقدّم رؤية إنسانية تُعلي من شأن العلاقات البشرية وقيمتها في مواجهة الألم والعزلة. ومن خلال أداءٍ احترافيّ ومُتقن لكارول عبود ودوري السمراني، يتحوّل الحبّ في هذا العمل إلى مساحة شفاء، وإلى الدواء القادر على ترميم الأرواح المتعبة وإعادة الأمل إليها.
إنها مسرحية تُخاطب القلب والعقل معًا، وتعتمد على قوة النص والاداء اكثر من اعتمادها على المؤثرات الخارجية، لتؤكد ان المسرح متى امتلك الصدق والعمق يبقى قادرا على ملامسة وجدان الجمهور وطرح الأسئلة التي تلامس جوهر الانسان..




