حلو الفن – سينتيا مرهج تحسم الجدل: هل سيحلّ الذكاء الاصطناعي محلّ المحاسب والمدقق؟

يشهد قطاع المحاسبة والتدقيق والمال تحولاً متسارعاً مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى بيئة العمل، إلا أن هذا التحول يثير في المقابل العديد من التساؤلات حول حدود استخدام هذه الأدوات وتأثيرها على المسؤولية المهنية.
وفي لبنان، برزت AIKIT LB كإحدى المبادرات المتخصصة في تمكين المحاسبين والمدققين والمهنيين الماليين من توظيف الذكاء الاصطناعي بطريقة عملية وآمنة، بقيادة السيدة سينتيا مرهج، التي تؤكد أن التكنولوجيا لا تلغي دور الإنسان، بل تعززه وتمنحه وقتاً أكبر للتركيز على ما يتطلب حكماً مهنياً وخبرة حقيقية.
في هذا الحوار، تشرح سينتيا مرهج كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح شريكاً للمحاسب والمدقق، وما هي المهام التي يستطيع إنجازها، والحدود التي لا يجوز تجاوزها، إضافة إلى أبرز المخاطر وكيفية اعتماد هذه التقنيات بمسؤولية.
– بدايةً، كيف تصفين الدور الحقيقي للذكاء الاصطناعي في مهنة المحاسبة والتدقيق؟
*آهناك اعتقادان خاطئان متناقضان: الأول أن الذكاء الاصطناعي قادر على القيام بكل شيء، والثاني أنه لا يضيف أي قيمة حقيقية. الحقيقة تقع في الوسط. فهو يستطيع أن يوفر وقتاً كبيراً في المهام المتكررة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الحكم المهني. في AIKIT LB نختصر الفكرة بقاعدة أساسية: الذكاء الاصطناعي يُسوّد ويُنبّه، والإنسان يقرّر. فهو يكتب المسودة الأولى للمستندات، ويحلل كميات ضخمة من البيانات، ويكشف الحالات غير الاعتيادية، بينما يبقى اتخاذ القرار النهائي ومسؤولية التوقيع من اختصاص الإنسان.
– ما أبرز المهام التي يستطيع الذكاء الاصطناعي تنفيذها داخل مكاتب المحاسبة والتدقيق؟
* يمكنه إعداد المسودات الأولى لمذكرات التخطيط، وشرح التسويات، وتعليقات الانحرافات في الموازنات، ورسائل الإدارة، وأوراق العمل، إضافة إلى تلخيص المستندات الطويلة بسرعة كبيرة. كما يستطيع تحليل مجتمعات كاملة من البيانات، واكتشاف القيود غير الاعتيادية، أو العمليات المكررة، أو الحركات التي تستحق المراجعة، وهو ما يختصر ساعات طويلة من العمل اليدوي.
– ما الأمور التي لا يجوز أبداً تفويضها للذكاء الاصطناعي؟
* هناك مهام يجب أن تبقى حكراً على الإنسان، مهما تطورت التكنولوجيا، ومنها إصدار الرأي المهني، وتحديد الأهمية النسبية، وممارسة الشك المهني، وتقييم نية الإدارة، واتخاذ القرارات الجوهرية، والتوقيع على التقارير أو التصاريح. فهذه ليست مجرد حدود تقنية، بل هي حدود للمسؤولية القانونية والمهنية.
– كيف يساهم الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل عملية التدقيق؟
* في مرحلة قبول العميل، يساعد في إعداد مذكرات التقييم الأولية، وتلخيص المعلومات المتاحة، ورصد التناقضات المحتملة، بينما يبقى قرار قبول العميل أو رفضه مسؤولية المدقق. أما في مرحلة التخطيط، فيقترح المخاطر المحتملة ويعد المسودة الأولى لخطة التدقيق، لكنه لا يحدد المخاطر الجوهرية النهائية. وخلال العمل الميداني، تظهر أكبر قيمة للذكاء الاصطناعي، إذ يمكنه تحليل كميات ضخمة من البيانات، وإعداد أوراق العمل، ومطابقة المستندات، والكشف عن الحالات الشاذة، في حين يبقى تفسير النتائج واستخلاص الاستنتاجات من اختصاص المدقق. أما في مرحلة إعداد التقرير، فيراجع اتساق المعلومات، ويكشف التناقضات بين أجزاء الملف، لكنه لا يصدر الرأي النهائي.
– وماذا عن استخدامه في الامتثال الضريبي في لبنان؟
* يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في إعداد المسودات الأولية للتصاريح الضريبية، ومطابقة الأرقام بين الدفاتر والتصاريح، والكشف عن الفروقات المحتملة.لكن تبقى مسؤولية التصريح الضريبي، قانونياً ومهنياً، على الشخص الذي يوقعه، كما يجب دائماً الرجوع إلى النصوص القانونية النافذة، لأن النسب والمهل الضريبية قد تتغير.
– هل يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على المدققين الخارجيين؟
* بالتأكيد لا. فالمحاسب يمكنه الاستفادة منه في إعداد شروح التسويات واكتشاف القيود غير الاعتيادية خلال الإقفال الشهري. أما المحلل المالي، فيستخدمه لإعداد المسودات الأولية لتقارير الأداء والانحرافات، فيما تبقى مهمة تفسير الأرقام وصياغة القصة المالية مسؤولية بشرية.وفي التدقيق الداخلي، يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل المجتمع الإحصائي بالكامل والتنبيه إلى الشذوذات، بينما يحدد المدقق الداخلي ما إذا كانت الحالة تستحق ملاحظة رسمية.أما مدقق أنظمة المعلومات، فيستفيد منه في توثيق اختبارات الضوابط وتحليل صلاحيات الوصول، لكن تقييم فعالية الضوابط يبقى مسؤولية الإنسان.
– ما أبرز المخاطر المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي؟
*آأبرزها ما يُعرف بالهلوسة، أي إنتاج معلومات تبدو صحيحة لكنها غير دقيقة، سواء كانت أرقاماً أو مراجع أو نصوصاً قانونية.كذلك تأتي مسألة سرية البيانات، إذ لا يجوز إدخال معلومات العملاء إلى أي أداة قبل فهم كيفية التعامل مع تلك البيانات وشروط استخدامها. ومن المخاطر أيضاً الاعتماد المفرط على الأداة، لأن جودة النتائج قد تدفع المستخدم إلى التوقف عن التفكير النقدي، وهذا أمر بالغ الخطورة. ويبقى المبدأ الأساسي أن الذكاء الاصطناعي لا يتحمل المسؤولية أمام الجهات الرقابية أو القضاء، بل الشخص الذي وقع التقرير.
– ما النصيحة التي تقدمينها للراغبين في إدخال الذكاء الاصطناعي إلى أعمالهم؟
* أن يبدأوا تدريجياً. أن يختاروا مهمة واحدة متكررة، مثل تلخيص مستند أو إعداد شرح تسوية أو كتابة مسودة مذكرة، وأن يستخدموا الذكاء الاصطناعي فيها لمدة أسبوعين مع مراجعة كل النتائج. بعد ذلك، عليهم قياس الوقت الذي وفرته الأداة، ومعدل الأخطاء، ومدى الاستفادة الفعلية، لأن تبني التكنولوجيا يجب أن يكون مبنياً على نتائج قابلة للقياس، لا على الانطباعات.
– كيف تعتمد AIKIT LB أسلوب التدريب؟
* نحن لا نقدم تدريباً نظرياً، بل تدريباً قائماً على التطبيق العملي .نقدم برامج حضورية كم حضوري أو عن بعد (Remotely) حول استخدام Claude AI في التدقيق و المحاسبة والضرائب، حيث يعمل المشاركون على مستنداتهم الحقيقية. كما نقدم برنامجاً متخصصاً للمدققين يمتد ستة أسابيع، يتضمن جلسات جماعية وأخرى فردية، ينتهي ببناء أداة عملية لكل مشارك، على أن تجتاز اختباراً حقيقياً باستخدام بيانات لم يسبق لها التعامل معها.
– أخيراً… هل تعتقدين أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل المحاسب أو المدقق في المستقبل؟
* لا أعتقد ذلك إطلاقاً. ما سيختفي هو جزء من الأعمال الروتينية والمتكررة، أما التفكير المهني، والحكم المستقل، والشك المهني، والمسؤولية القانونية، فستظل جميعها في يد الإنسان. ومن يفهم هذه المعادلة مبكراً سيكسب الوقت، ويرفع جودة عمله، ويواكب مستقبل المهنة بثقة، لأن القاعدة ستبقى واحدة: الذكاء الاصطناعي يُسوّد ويُنبّه… والإنسان يقرّر.



