عطر الكلام

حلو الفن – بول منير سليمان… حين تتوحّد الفنون في سيرة مُبدع لا يُختصر

يطلّ الفنان الشامل ” بول منير سليمان ” كاستثناءٍ فنّي لافت، يُجسّد معنى الشمولية الإبداعية بكل أبعادها، في زمنٍ تتقلّص فيه الموهبة ضمن تخصّصٍ واحد. فأعاد إلى الفنّ اعتباره كفضاءٍ لا تُقيّده مساحة، ولا تُحدّه زاوية واحدة من التعبير.

لم يأتِ ” بول سليمان ” إلى الفن من باب المصادفة، بل من أبوابٍ متعددة، فتحها بعلمٍ رصين وموهبةٍ أصيلة، حاملًا في داخله أكثر من مشروعٍ إبداعي، وأكثر من صوتٍ تعبيري. فكان الممثل الذي يُمسك بتفاصيل الشخصية، والرسّام الذي يترجم هواجسه ألوانًا، والمهندس الذي يُعيد تشكيل الفراغ بروحٍ جمالية واعية.

لم يكن حضوره في الدراما مجرّد وجهٍ عابر، بل أثرًا يُترك بثقة في ذاكرة المشاهد، مثبتًا أنّ الأداء الحقيقي لا يحتاج إلا إلى صدقٍ داخلي، وأنّ الكاميرا لا تُخدع، وأنّ أصغر التفاصيل قد تصنع الفرق بين دورٍ يُنسى وآخر يُخلّد في الذاكرة.
وقد تجلّت هذه الخصوصية في عددٍ من الأعمال التي شارك فيها، لاسيّما  مسلسلي ” السرّ ” و” الشيخة الأميركية “، وصولًا إلى مسلسل “سنعود بعد قليل “، حيث بدا حضوره متوازنًا، بعيدًا عن المبالغة، وقائمًا على وعيٍ هادئ بتفاصيل الدور.

أما في السينما، فقد شارك في أعمالٍ حملت طابعًا إنسانيًا وروحيًا، من بينها ” حياة القديسة ريتا “و” المشهد الأخير “، حيث بدا واضحًا ميله إلى الأدوار التي تنبض بعمقٍ إنساني، بعيدًا عن السطحية والاستهلاك.

بيدَ أنّ فنّه لا يقف عند حدود التمثيل، بل يتّسع ليشمل فضاءاتٍ فنية أخرى، حيث برز اسمه كفنانٍ تشكيلي يمتلك حساسية لونية خاصة، يُترجم من خلالها رؤيته للعالم عبر لوحاتٍ زيتية وأعمالٍ بالأكريليك تنبض بالحياة والتجريد معًا. وقد تُوّج هذا المسار بإقامة معارض فنية، من بينها معرض  ” البداية والنهاية “، الذي شكّل مساحةً للتلاقي في حوارٍ بصري غنيّ بالدلالات.

وفي الكاريكاتير تحديدًا، يلتقط المفارقة بذكاء، مقدّمًا شخصياتٍ معروفة بروحية تُخفي خلفها قراءة دقيقة للواقع، وكأنّه يُعيد رسم الوجوه لا كما هي، بل كما يراها من الداخل.

كذلك يتجلّى إبداعه في الهندسة الداخلية، حيث تتحوّل المساحات بين يديه إلى لوحاتٍ قابلة للعيش، تنبض بالذوق والابتكار. وهو، إلى جانب ذلك، يُمارس دوره كأستاذٍ جامعي، ناقلًا خبرته إلى جيلٍ جديد، ومؤكّدًا أنّ الفنّ ليس فقط ما نُنتجه، بل ما نُورّثه أيضًا.

وهكذا يقف المُبدع بول منير سليمان كواحدٍ من أولئك الذين لا يُختصرون بلقبٍ واحد، لأنّه ببساطة مشروع فنيّ متكامل، تتجاور فيه الخشبة مع اللوحة، والفراغ مع الفكرة، والصورة مع الإحساس.

هو فنّانٌ لا يُختصر في صبغة واحدة، بل في قدرةٍ على تحويل التعدّد إلى لغةٍ واحدة… تُشبهه وحده.

إليه نرفع ألف تحيّة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى