حدّثني صاحبنا “النَسنَاس” الذي يحرّك فينا الوَسوَاس الخنّاس، بكلامٍ يقطع الأنفاس ويُمزّق وَتَر الإحساس ويُذوّب بأسيده مواسير “الرَاس”، قائلًا بصوتٍ هادجٍ، قاس، لا “يُلَعوَس تحت لـ ضراس” :
“أن الفنّ في هذا الزَمَن أضحى كـ(خضراء الدَمَن)، يضربه الوَهَن، متراجعًا إلى الوراء، ضاجًّا بالخواء، يكثر في هيكله العَفَن ويَرخُص فيه الثَمَن . ومع هذا التراجع، لم يعد المشهد غريبًا، فقد بات بعض المُصوّتين في ميدانه هائجين بلا رَسَن، يُغنّون بنَغَم فلتان لا يشبه أيّ لونٍ من الألوان، متشاطرين بردّيات وأغنيات أشبه بالضَرب على السندان.. فلا أغنية ضاربة، ولا كلمة حاضرة، ولا نغمة مُشبّعة… بل ضربٌ مَقلوب على طبلٍ مثقوب، يُدمي العقول والقلوب ولا يُطربُ إلّا مَن اعتاد الضجيج.
ومن هنا، امتدّ هذا الانحدار ليصيب جيلًا كاملًا؛ فأمسى جيلُنا في الضياع مضروب، يَنُطّ ويَحُطّ كمَن مسّه التوتّر العالي، “مَنفوش” الشَعر ، بالهَبَل مَصبوب، يُردّد التزعيقات “كارعًا” المشروب، كأنّه يعيش في عالمٍ يبقى رهنَ إشارته في الشروق والغروب، لا ذوقَ فيه ولا مَن يَحزنون”.
وهكذا، لم يكن حديث صديقنا مجرّد سخرية عابرة، بل وجعًا مُعلَنًا عمّا آل إليه فنّ الطرب.. متحسّرًا على ما صار في لبنان، وما انسَحَب على دُنيا العرب… فصرنا نُصفّق لطبلةٍ مثقوبة، ونرقص على خرابٍ مَطروب.
والله أعلم